محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ قال : كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها . وقوله : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي يقول : وأوحينا إلى موسى إذ تمادى فرعون في غيه وأبى إلا الثبات على طغيانه بعد ما أريناه آياتنا ، أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي : يقول : أن سر ببني إسرائيل ليلا من أرض مصر . إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ إن فرعون وجنده متبعوك وقومك من بني إسرائيل ، ليحولوا بينكم وبين الخروج من أرضهم ، أرض مصر . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ . . . وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ يقول تعالى ذكره : فأرسل فرعون في المدائن يحشر له جنده وقومه . ويقول لهم إِنَّ هؤُلاءِ يعني بهؤلاء : بني إسرائيل لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ يعني بالشرذمة : الطائفة والعصبة الباقية من عصب جبيرة ، وشرذمة كل شيء : بقيته القليلة ؛ ومنه قول الراجز : جاء الشتاء وقميصي أخلاق * شراذم يضحك منه التواق وقيل : قليلون ، لأن كل جماعة منهم كان يلزمها معنى القلة ؛ فلما جمع جمع جماعاتهم قيل : قليلون ، كما قال الكميت : فرد قواصي الأحياء منهم * فقد صاروا كحي واحدينا وذكر أن الجماعة التي سماها فرعون شرذمة قليلين ، كانوا ست مئة ألف وسبعين ألفا . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة : إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ، قال : كانوا ست مئة وسبعين ألفا . حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، قال : الشرذمة : ست مئة ألف وسبعون ألفا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد ، قال : اجتمع يعقوب وولده إلى يوسف ، وهم اثنان وسبعون ، وخرجوا مع موسى وهم ست مئة ألف ، فقال فرعون إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ، وخرج فرعون على فرس أدهم حصان على لون فرسه في عسكره ثمان مئة ألف . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن سعيد الجريري ، عن أبي السليل ، عن قيس بن عباد ، قال : وكان من أكثر الناس أو أحدث الناس عن بني إسرائيل ، قال : فحدثنا أن الشرذمة الذين سماهم فرعون من بني إسرائيل كانوا ست مئة ألف ، قال : وكان مقدمة فرعون سبعة مئة ألف ، كل رجل منهم على حصان على رأسه بيضة ، وفي يده حربة ، وهو خلفهم في الدهم . فلما انتهى موسى ببني إسرائيل إلى البحر ، قالت بنو إسرائيل . يا موسى أين ما وعدتنا ، هذا البحر بين أيدينا ، وهذا فرعون وجنوده قد دهمنا من خلفنا ، فقال موسى للبحر : انفلق أبا خالد ، قال : لا لن أنفلق لك يا موسى ، أنا أقدم منك خلقا ؛ قال : فنودي أن أضرب بعصاك البحر ، فضربه ، فانفلق البحر ، وكانوا اثني عشر سبطا . قال الجريري . فأحسبه قال : إنه كان لكل سبط طريق ، قال : فلما انتهى أول جنود فرعون إلى البحر ، هابت الخيل اللهب ؛ قال : ومثل لحصان منها فرس وديق ، فوجد ريحها فاشتد ، فاتبعه الخيل ؛ قال : فلما تتام آخر جنود فرعون في البحر ، وخرج آخر بني إسرائيل ، أمر البحر فانصفق عليهم ، فقالت بنو إسرائيل : ما مات فرعون وما كان ليموت أبدا ، فسمع الله تكذيبهم نبيه عليه السلام ، قال : فرمى به على الساحل ، كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ يعني بني إسرائيل . حدثني محمد بن عمرو ،